فى عام 1822م اندلعت الثورة فى اليونان ضد الدولة العثمانية ، حيث طالب الثائرون بالاستقلال ورغم أنهم مسيحيون والدولة العثمانية هى دولة الخلافة الإسلامية فإن أوروبا لم تساند أهل اليونان الثائرون بالشكل الكافى لنيل الاستقلال وكانت السياسة العامة لحكام أوروبا فى تلك الفترة هى المحافظة على الدول الكبرى حتى لو أصابها الضعف مثل الدولة العثمانية وذلك حتى لا تنتقل دعاوى الاستقلال
فى القارة فيعاد رسم حدودها مر ة أخرى وهم بالكاد إنتهوا من أثار توسعات فرنسا بقيادة نابليون بونابرت .
كيف يخدم الاقتصاد السياسه
وعلى الجانب الآخر اعلن الثوار قيام الحكومه اليونانية المؤقتة التى كانت تتفهم
الخريطة الأوروبية جيدا فلجأت إلى عدة طرق لضمان تأييد أوروبى حقيقى منها
طريقتان ذات صبفة اقتصادية ..
الطريقة الأولى
حين نجح اثنان من أتباع الحكومة المؤقتة فى استثمار قضية بلادهم فى سوق المال
بلندن حيث حصلوا على قرض مقداره 800ألف جنيه إسترلينى من
أولاد - لومان أوبرين - فى 21 يناير عام 1824 بفائدة 5% سرعان ما ارتفعت
بعد السمسرة وخلافه إلى حوالى 59% وبذلك نجحا فى ضمان صوت مالى لصالحهم فى عاصمة الامبراطورية البريطانية حيث صار من مصلحة بيت المال الإنجليزى - لومان أوبرين - إستقلال اليونان وتثبيت الحكومة المؤقتة لتستطيع سداد القرض وفوائده الباهظة حتى تسدد الفرض الذى اصبحت فائدته السنوية اكثر من نصف قيمة القرض .
وفى ذلك يقول - بيير كربتيس – فى كتابه عن إبراهيم باشا إن اليونانيين وهم قوم مهرة بارعون ورثوا براعتهم عن آبائهم الأولين استثمروا شكواهم وبلواهم فى سوق سندات لندن فعقدوا فيها قرضا فى حى المال إذ استطاع اثنان من أبعد
مندوبيهم نظرا وهم - ارلندوس و لوريوتى - أن يحصلان من أولاد لومان وأبرين فى
21يناير على مبلغ 800ألف جنيه إنجليزى بفائدة 5% والتى ارتفعت الى 59 %، ثم يعلق المؤلف على فائدتهم من ذلك القرض بقوله :
(إذ جعلا لأصحاب المصارف والسمسرة مصلحة مالية فى استقلال اليونان ).
وهو ما يدل دلالة واضحة على أن حسابات رجال المال دائما تختلف عن
حسابات رجال السياسة ففى الوقت الذى تخلت فيه أوروبا عن مساندة أهالى
اليونان المسيحيون الثائرون طالبى الاستقلال طبقا لحسابات توازن القوى
تدخل رجال المال فى سبيل ترجيح كفة الميزان اليونانى طبقا لحسابات دنيا
المال والمسمسرة .
الطريقة الثانية
ومن ناحية أخرى كانت الطريقة الثانية التى لجأ اليونانيين إليها هى التلميح
بعرض العرش اليونانى فى حالة الاستقلال على أمير من الأسرة الحاكمة
الفرنسية لضمان تعاطف الفرنسيين مع قضيتهم .
الطريق الثالث
وفى الوقت نفسه سلك اليونانيين طريق ثالث لنيل الاستقلال استخدموا
فيه أيضا حسابات المكسب والخسارة وهى القواعد التى تحكم التجارة فى
شتى أنحاء العالم .
فعمدوا للتأثير على التجارة الاوروبية والعالمية فى البحر الأبيض
المتوسط عن طريق تكثيف نشاط القرصنة اليونانية ضد السفن المارة
فى البحر ولما كانت للدولة العثمانية طرق برية بين ولاياتها وكان
اسطولها البحرى ضعيفا من الأصل لم تتأثر كثيرا بتلك القرصنة وإن
اضيرت بشدة التجارة الأوروبية الافريقية والتجارة الأوروبية
الاسيوية وصار التجار الإنجليز والفرنسيين والروس يشكلون عنصر
ضغط قوى على حكوماتهم لوقف اعمال السلب ونهب السفن والبضائع
التجارية ألبحرية .
وذلك بالضفط على العثمانيين لمنح اليونان إستقلالها غير أن الدول الآوربية
طلبت من السلطان العثمانى التدخل لانهاء القرصنة اليونانية فلم يكونوا راغبين فى تغيير الخرائط بعد .
الاستعانه بابراهيم ياشا
فإستعرض السلطان العثمانى أنحاء دولته ليبحث عن من يساعده فوجد
ضالته فى والى مصر محمد على باشا الذى قام بتحديث جيشه وامتلاك
اسطول بحرى عسكرى فدعاه لمساعدته وتقديم العون للدولة فقام محمد على
بتجهيز جيش كبير بقيادة إبنه ابراهيم باشا والذى استطاع وقف نشاط
القراصنة اليونانيين بالإستيلاء على الجزر والموانى التى تقدم المؤن وألمياه
لسفنهم مما أدى لتحويلها لسفن ضالة إلى جانب أن قواته البرية إجتاحت بلاد
اليونان وأخمدت ألثورة فى أماكن كثيرة بل وساعدت قوات السلطان المحصورة
فى بعض المناطق وكان انتصارا ساحقا الأمر الذى أعاد رسم خريطة القوة فى اليونان وهدد فعليا بإنهيار الثورة فيها وبالتالى سقوط الحكومة اليونانية المؤقتة.
وجاء دور بيوت المال الذى خشيت ضياع القرض الذى يدر فائدة سنوية تبلغ اكثر من نصف قيمة القرض وجنبا إلى جنب تامرت إنجلترا وفرنسا وروسيا على قوات إبراهيم باشا خشية من انتصارة وبزوغ قوة اقليميه جديده فسمحت للعسكريين اليونانيين بالضغط عليها فى الوقت الذى طالبته بوقف القتال . وهنا هاج الرآى العام الأوروبى وبالطبع كان من أسباب هياج ألرأى العام الأوروبى هو القرض المالى اليونانى من سوق مال لندن حيث حرص المقرضين على الضغط على
حكومة بريطانيا ولما فشلوا عمدوا على تأليب الرأى العام البريطانى وشحنه
بدعوى وحشية إبراهيم باشا وجنوده ضد أهالى أليونان لأن معنى انتصار
إبراهيم باشا هو فشل الثورة وضياع أموال القروض .
وهددت روسيا بالتدخل لمساعدة الثائرين اليونانيين وإزاء خوف فرنسا وإنجلترا من امتداد النفوذ الروسى لسواحل البحر الأبيض المتوسط وهو ما كانت تاباه انجلترا وفرنسا فقررتا وقف النشاط العسكر ى المصرى. وحين تقدم لنجدة قواته المهددة تآمرت عليه وحطمت الأسطول المصرى رغم مقاومة وبسالة أفراده.
سحب الجيش
وإزاء ذلك قرر محمد على باشا سحب جيشه من بلاد اليونان وترك السلطان
العثمانى وقواته في مواجهة الدول الاوروبية بمفرده ورغم غضب السلطان
فإنه إضطر بعد قليل بالإعتراف بإستقلال اليونان .
وجدير بالذكر أن القرض اليونانى الذى نجح في منح قضية الإستقلال
اليونانى بعدا إقتصاديا فى دول تبعد عنهم كثيرا وساهم فى إعادة صياغة
الرأى العام فى عاصمة الإمبراطورية الإنجليزية هو نفسه ساهم فى شق
صفوف المقاتلين اليونانيين الذين حاربوا بعضهم لضمان حصولهم على بعض
الأموال منه .